علي بن أحمد المهائمي
510
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
الذكر بل نور المذكور ، فلا يرى شيئا سواه في كل ما يراه ( لا من ذكره بلسانه خاصة ) ، فإنه لا يسري منه نور مستغرق لسائر الأعضاء بخلاف القلب ، فإنه لكونه نورانيّا في ذاته مستمدا من النور الإلهي يسري نوره بحيث يستغرق العبد بكليته ، ويصير اللسان بحيث يمد ما لحق بنور منه به يصير وحده جليس الحق ومشاهده ، ( فإن الحق لا يكون في ذلك الوقت إلا جليس اللسان خاصة ) ؛ لأن اللسان ذاكر لا محالة ، وهو جليس الذاكر لا محالة ، والمجالسة تستلزم الشهادة . ( فيراه اللسان من حيث لا يراه الإنسان بما هو راء ) به ، وهو البصر فضلا عن بقية الأعضاء ، وعند عدم رؤية البصر يصح نفي الرؤية عن الإنسان ، وإن كان رائيا بعضو آخر ، ( فافهم هذا السر ) وهو رؤية اللسان بدون رؤية الإنسان ( في ذكر الغافلين ) ، حتى صار محمودا من وجه مذموما من وجوه حتى ورد فيه : فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ( 4 ) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ( 5 ) [ الماعون : 4 ، 5 ] . [ فالذّاكر من الغافل حاضر بلا شكّ ، والمذكور جليسه فهو يشاهده والغافل من حيث غفلته ليس بذاكر فما هو جليس الغافل ؛ فإنّ الإنسان كثير ما هو أحديّ العين ، والحقّ أحديّ العين كثير بالأسماء الإلهيّة : كما أنّ الإنسان كثير بالأجزاء : وما يلزم من ذكر جزء ذكر جزء آخر ، فالحقّ جليس الجزء الذاكر منه والآخر متّصف بالغفلة عن الذّكر ، ولا بدّ أن يكون في الإنسان جزء يذكر به فيكون الحقّ جليس ذلك الجزء فيحفظ باقي الأجزاء بالعناية ، وما يتولّى الحقّ هدم هذه النّشأة بالمسمّى موتا وليس بإعدام كلّيّ وإنّما هو تفريق ، فيأخذه إليه ، وليس المراد إلا أن يأخذه الحقّ إليه وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [ هود : 123 ] فإذا أخذه إليه سوّى له مركبا غير هذا المركب من جنس الدّار الّتي ينتقل إليها ، وهي دار البقاء لوجود الاعتدال ، فلا يموت أبدا ، أي لا تفرّق أجزاؤه ] . ولصعوبة فهمه بينه بقوله : ( فالذاكر ) وهو اللسان ( من الغافل حاضر ) للحق ( بلا شكّ ) ؛ لاستقلاله في الاشتغال به من غير مطاوعته للقلب الغافل ، وهو فعل المختار الموجب للشعور بما يفعله ، وإن لم يطلع عليه منه غيره ، كيف ( والمذكور جليسه ) بمقتضى الحديث ، ولا معنى لجلوسه سوى شهوده ، ( فهو ) أي : الذاكر من الغافل ( يشاهده ) ، وإن لم يكن له حسن البصر ، ولا اطلع على شهوده غيره ، وإلا كانت الغيرة ذاكرة له ، وقد فرضناه غافلا ، ( والغافل من حيث غفلته ) ، وهو باعتبار القلب وسائر الأعضاء سوى اللسان ، ( فليس بذاكر ) وإن كان باعتبار لسانه ذاكرا ، وإذا لم يكن ذاكرا ( فما هو ) أي : الحق ( جليس الغافل ) ، فكيف يطلع على شهوده ، والاطلاع على شهود الغير شهود وليس